ربما لم يتردد كثيرًا في الإعلام اسم العالم الأردني ذو الأصل الفلسطيني البروفسور علي حسن نايفة الذي توفي في 27 مارس/آذار هذا العام، إلا أن حياته كانت غنية بأعمال وابتكارات وجدت لها تطبيقات عالمية في مجالات متعددة.

شغلت الميكانيكا اللاخطية حياة علي حسن نايفة، حتى أصبح أحد أهم الأشخاص في العالم الذين عملوا على تطوير هذا المفهوم وإيجاد تطبيقاته النظرية والعلمية. وغادر إلى جامعة ستانفورد ليتخرج منها بعد أربعة أعوام بشهادة الدكتوراه، وليصبح أحد أهم رواد الميكانيكا اللاخطية، وأجرى كثيرًا من الأبحاث وأشرف على أبحاث طلبته في المجال ذاته، خلال العقود الأربعة الماضية.

اعتقد العلماء سابقًا أن أي حركة في الكون هي حركة منتظمة وكان هدف العلم حتى وقت قريب التعرف على الأنظمة الموجودة في الكون، لكن في القرن العشرين اكتشفت الجوانب الفوضوية من الكون التي لا يمكن التعرف فيها على مصدر التغيّر الحاصل، والذي قد يكون منشؤه صغيرًا وغير ذي بال لكنه يؤدي إلى تغييرات كبيرة. هذه الفوضى أو الميكانيكا اللاخطية بلغة الفيزياء والرياضيات هي التي يمكنها التعرف على هذه الأنظمة وإيجاد قوانين لها.

ما هي المعادلات اللاخطية ونظرية الفوضى؟

تمثل المعادلات الخطية نظامًا مستقرًا، أما المعادلات اللاخطية فهي تمثل أنظمة اللا استقرار أو أنظمة الفوضى وتتعلق بمعظم الأنظمة الموجودة في الطبيعة، وهي معادلات صعبة الحل، وتؤدي لحدوث ظواهر وتغييرات معقدة، تبدأ بتغير طفيف، لكنه يؤدي إلى اختلاف كبير في النظام على المستوى الكبير، وتسمى هذه الظاهرة بأثر الفراشة، والتي ترى أنه قد تؤدي حركة أجنحة فراشة في نصف الكرة الجنوبي إلى إعصار في نصف الكرة الشمالي، تبدي نظرية الفوضى نوعًا من السلوك العشوائي، طبيعة هذا السلوك منتظمة بذاتها ولا يمكن تتبعها لفترة طويلة، لطبيعتها المتبدلة مع الزمن.

علي حسن نايفة: إيجاد الحل من قلب الفوضى
نظام لورينتز، أو ما يعرف بتأثير الفراشة مصدر وحقوق الصورة: جامعة بروان

تسعى المعادلات اللاخطية للتعرف على النظام الموجود في هذه الفوضى، وتدخل نظرية الفوضى في مجالات عديدة مثل التعرف على حالة الجو والتغيرات التي تحصل في النظام الشمسي بالإضافة إلى حالة الاقتصاد، وتنال هذه المعادلات اهتمام المهندسين والفيزيائيين والرياضيين.

اكتشاف النظم اللاخطية

عمل علي حسن نايفة من خلال الرياضيات المعقدة على إيجاد حلول للديناميكا غير الخطية وربط هذه الحلول بتطبيقاتها العملية من خلال البحوث التي أجراها أو التي أشرف عليها مع طلابه.

وُجدت نظرية الفوضى والديناميكا غير الخطية في البداية كمجال ناشئ جديد متعلق بالفيزياء والرياضيات التطبيقية، ولشموليته وتعلقه بالعديد من التخصصات أدى البحث فيه في العقود الأخيرة إلى إدخال رؤىً وتطبيقات جديدة وعميقة لا تعد ولا تحصى في جميع فروع التقنية تقريبًا، ووصلت إلى أي مجال يحتاج للنمذجة الكمية وتحليل الظواهر غير الخطية المعقدة والتي تلعب فيها نظرية الفوضى ومناهجها دورًا رئيسًا.

ويتم تطبيق النظم الفوضوية اللاخطية في كل فروع الهندسة المتطورة، على الروبوتات والهندسة الإلكترونية والإتصالات (تزامن الفوضى والتشفير)، وكذلك الهندسة الميكانيكية والمدنية، فتستخدم في رصد الضرر والتحكم المتعلق بالمباني أو المنشآت الكبيرة، أو المركبات والآلات مثل المركبات الفضائية والطائرات.

وتطبيق أيضًا في حساب العوامل المؤثرة على استقرار الطيران مثل القوة الكهروستاتيكية والعوامل الجوية، لقدرتها على التنبؤ بالعوامل التي تؤثر على الطائرة مما ساهم في جعل الطيران أكثر أمنًا.

علي حسن نايفة: إيجاد الحل من قلب الفوضى

استهدفت تجارب نايفة فهم الظواهر غير الخطية وكيف يمكن استغلالها لتوسيع مساحة التصميم الميكانيكي أو لتطوير منهج تحكم فعال، إذ أجرى مجموعة من التجارب لمحاكاة استجابة السفن والقوارب في أعالي البحار، وكان هدفه تحسين فهم العوامل المعقدة التي ينطوي عليها استقرار هذه السفن، ما يمكننا من صناعة تصاميم أفضل يمكنها الإبحار بنسبة أقل للتعرض للتحطم، وطوّر منهجية جديدة للتحكم بحركة السفن وهي طريقة الحركة الموجية المغلّفة غير المألوفة، وتم تطبيقها في تحليل الموجات الصوتية في أنظمة محركات الطائرات، وللسيطرة على الرافعات ذات الحركة البندولية والمستخدمة في أغراض عسكرية وتجارية، ونفذت في رافعات الحاويات والرافعات الموجودة على السفن.

علي حسن نايفة أستاذ فخري وباحث في جامعة فرجينيا لـثلاثة وثلاثين عامًا، أجرى أبحاثًا بقيمة 25 مليون دولار، وأشرف على 69 رسالة دكتوراه، حاصل على ثلاثة شهادات دكتوراه فخرية. مؤسس ورئيس تحرير لمجلة الميكانيكا اللاخطية ومجلة الذبذبات والتحكم، عمل كعميد لقسم الهندسة في جامعة اليرموك التي أسسها، وتوفي في 27 مارس/آذار 2017.