باختصار
وفقاً للتقرير الذي أعدته أكاديمية دبي للمستقبل، فإنّ المستقبل لقطاع الصحة يبدو واعداً: بين الذكاء الاصطناعي والأطراف الاصطناعية المتطورة، وحتى تقنيات التعديل الجيني، كل ذلك سيصبح حقيقة في المستقبل القريب.

دبي: قال تقرير "استشراف المستقبل" في رؤيته لمستقبل قطاع الصحة أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات ملموسة في مجال الطبِّ التجدُّدي، والأعضاء البشربة الاصطناعية التي تم طباعتها باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتعديل الجينات بتقنية كريسبر، وهذه التطورات ستقود الإنسانية  تدريجياً لعصر يمكن فيه تحديد المسارات البيولوجية للبشرية.

وأشار التقرير إلى أن 2356 تجربة سريرية تم إجرائها للعلاج الجيني، بينما وصل تكلفة اليد المطبوعة باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى 50 دولاراً، كما بلغت تكلفة الهيكل الخارجي الذي يساعد على إعادة المشي حوالي 70 الف دولار . كما أشار التقرير إلى أن 67 بلداً حول العالم شهدت انتشار فيروس "زيكا"، بينما يبلغ عمر أكبر معمر على وجه الكرة الأرضية في الوقت الحالي 122 عاماً.

وقال عبدالله بن طوق، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل بالإنابة:" يحظى القطاع الصحي باهتمام القيادة الرشيدة التي تحرص دوماً على الاستفادة من التقنيات الحديثة لتقديم خدمات صحية فائقة الجودة، وهذه الرؤية الاستشرافية ستشكل دليلاً يسهم في تحديد مؤسسات القطاع لتوجهاتها المستقبلية في هذا الشأن، وتعزيز قدرتها على مواكبة أحدث التطورات وأخر الابتكارات التي تعزز جودة وصحة أفراد المجتمع.

وشارك في إعداد الرؤية ليز باريش ، وهي مؤسسة ورئيسة شركة بيوفيفا سيانسز المتخصصة بزيادة العمر ومقرها  الولايات المتحدة الأمريكية، وآرثر كابلان، وهو أستاذ آداب مهنة الطب الحيوي في مركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك، وأوبري دي جراي، رئيس العلوم في مؤسسة "سينس" للأبحاث.

التعديل الوراثي لمواجهة الأمراض المميتة

وافقت اللجنة الاستشارية لأبحاث الحمض النووي المعاد تركيبه التابعة للمعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016 للمرة الأولى في التاريخ على استخدام تعديل الجينات بتقنية كريسبر كعلاج للسرطان، ما يشكل خطوة مهمة في استخدام للتكنولوجيا لتعديل الجينات ومواجهة السرطان. وأضاف التقرير على الرغم من أن الموافقة على العلاج التجريبي تبدو كأنها لا تستحق التفكير، إلا أن تجارب العلاج الجيني على الإنسان مرت عبر طرق متعثرة منذ 1999 ، وذلك عندما تم اكتشاف إخفاء عضو في إحدى المبادرات البحثية بيانات عن تجارب سابقة على الحيوانات لتحقيق مصالح  مالية في نجاح دراسة العلاج الجيني.

crispr-cas9-enzyme-double-stranded-dna

و تعتبر تقنية كريسبر  كاس 9  من التقنيات الثورية الجديدة لتعديل الجينات، والتي تتيح للأطباء  تعديل أجزاء محددة من الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين دون إلحاق الأذى بالجينات الأخرى. وتطورت التقنية لتمكين بعض أنواع البكتيريا من إزالة التسلسل الجيني الفيروسي. ورغم ذلك تواجه التقنية تحديات تتمثل في بعض الأخطاء بتعديل الجينات، وعدم وجود مبادئ توجيهية وطنية أو دولية لاستخدام وتنظيم التقنية ، إضافة إلى المخاوف من تطبيقاتها العسكرية أو الإرهاب البيولوجي.

وقال أوبري دي جراي عن الشيخوخة "إن الخطوة التالية في العلاج الجيني تتطلب تمكينه من إجراء التعديل الوراثي بنسبة أعلى من الخلايا النسيجية مما يمكنه القيام به حالياً، وذلك دون زيادة الآثار السلبية، ولذلك نحن بحاجة لتقليل التغيرات غير المقصودة للجينوم التي قد تحدث نتيجة للتعديل الجيني، ونعمل على ذلك  باستخدام نوع خاص من الفيروسات التي توجد في البكتيريا والذي يمكنه إدخال الحمض النووي إلى الجينوم في مكان محدد تماماً. إنه أسلوب جديد لكنه يبدو واعداً جداً.

استعادة الأطراف المفقودة

وأشار التقرير إلى الأطراف التي تمكن مبتوري الأطراف من الحركة بدأت تتوفر في الوقت الحالي، وذلك بفضل تقنية جراحية رائدة طورها باحثون من مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز.

الذكاء الاصطناعي والطب

وقال آرثر كابلان:" الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً مهماً في الرعاية الصحية، وذلك من خلال السجل الطبي الإلكتروني  الذي يتم استخدامه لحفظ جزء كبير من المعلومات، حيث أتاح لنا هذا التطور تحليل البيانات بسرعة أكبر لمعرفة فيما إذا كان العلاج فعالاً، كما أسهم في مساعدتنا في الحصول على السجلات الطبية والتخلص من طرق الكتابة الغير واضحة."

تطورات طبية مستقبل واعد

وأشار التقرير  إلى قيام  غوبينج فنغ، وهو أستاذ الدماغ والعلوم المعرفية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بالإشراف على فريق من الباحثين الذين تمكنوا بنجاح من إبطال التوحد عند الفئران.

من خلال عملهم على وقف الجين الذي يدعى  Shank3 ثم تفعيله مرة أخرى في وقت لاحق من الحياة.

وأدت إحدى التجارب السريرية التي أشرف عليها هارولد أتكينز، وهو طبيب أمراض الدم في مستشفى أوتاوا، بنجاح في إيقاف تطور مرض التصلب المتعدد وعكس آثاره، وهو مرض يبدأ فيه الجهاز المناعي بمهاجمة أجزاء من الجسم ما يؤدي للإعاقة أو الموت. وقد استخدم الفريق الطبي تقنية جديدة للقضاء على الجهاز المناعي للمريض بالكامل، واستئصال هذه المشكلة، والقيام بإعادة تقديم الخلايا الجذعية التي أدت لنمو جهاز مناعي جديدة لدى المريض. كما قامت شركة فول جينومز بتوفير تكنولوجيا تحديد التسلسل الجيني للأفراد بهدف تعزيز تطبيق تحديد التسلسل الجيني.

الطباعة ثلاثية الأبعاد لعلاج الأمراض  المعقدة

حقوق الصورة: سانجاي كومار باثاك

وأشار التقرير إلى أن  رجل من كوريا الجنوبية تعرَّض لبتر قدمه حظي بفرصة جديدة للتنقل بفضل الطباعة ثلاثية الأبعاد، حيث كان يعاني من أحد أشكال سرطان العظام   في قدمه وهو ما يتطلب بترها، ولكن قام الأطباء باستبدال عظامه بأخرى مُعدّة بالطباعة ثلاثية الأبعاد بدلاً من بتر القدم بالكامل.  كما أشار التقرير إلى أن تطور الهياكل الخارجية الروبوتية أدت إلى تغيير الحياة هذا العام، وإلى إعادة تحديد الأمور الممكن إجراؤها للمرضى الذين يعانون إصابات العمود الفقري؛ وبفضل التقدم في التكنولوجيا أصبح بإمكان الأفراد المصابين بالشلل الوقوف والتحرك والمشي للمرة الأولى منذ عقود.

الطب نحو دقة أعلى

وقالت ليز باريش:" إن الرعاية الطبية تغيرت كثيراً في السنوات الأخيرة، حيث نعمل اليوم نحو الطب الشخصي الذي يمكِّننا من علاج الأشخاص بشكل فردي، وذلك  بدلاً منه بشكل جماعي، إنطلاقاً من إدراكنا أن  هذا الأخير لا ينجح. ويمكننا تفصيل العلاجات والتقنيات لتتلاءم مع شخص معين. وفي نهاية المطاف، فإن هذا المستوى من العلاج الشخصي سيغيِّر القواعد بشكل كامل ويدفعنا نحو الأمام.

أهم التوقعات المستقبلية

وتوقع التقرير أن تكون اختبارات السرطان المنزلية متاحة على نطاق واسع وبأسعار معقولة بحلول العام 2020، حيث سيصبح اختبار اللعاب البسيط متاحاً بتكلفة 20 $ تقريباً في غضون 4 سنوات. وسيتمكن الاختبار من كشف الإشارات الورمية في لعاب الشخص. كما يتوقع الباحثون  في مجال العين الآلية الحيوية من جامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا أن العين الصناعية جاهزة خلال 4 سنوات.

وفي العام 2025 من المتوقع أن تتوفر  جزيئات نانوية يتم ربطها بأجسام مضادة لتكون قادرة على التعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها. بينما سيشهد العام نفسه، بحسب ليز باريش استخدام  العلاج والتعديل الجيني لبناء الأعضاء كبدائل لجسم الإنسان. أما في 2026 فمن المتوقع أن يتحقق تطور مخبري يسهم  في إبطاء الشيخوخة عند الثدييات، وقال أوبري دي جراي:"بعد 10 سنوات من الآن، سنقوم بإطالة حياة الفئران بمقدار قد يكون أكثر بثلاثة أضعاف مما يمكن  القيام به حالياً."

وأعرب أرثر كابلان عن اعتقاده أنه وبحلول العام 2028 سيتم استخدام الهندسة الوراثية لعلاج الأمراض في أجسامنا". أما في العام 2030 فمن المتوقع أن يتم إنتاج عقار وحقن بروتينات تعمل خفض الكمية المتراكمة من اللويحة النشوانية السامة، ما سيسمح بمكافحة أعراض مرض الزهايمر. وفي عام 2033، أشار أوبري دي جراي إلى أنه  سيكون هناك مجموعة من العلاجات لترميم تلف بشرة البالغين،قائلاً:"  أعتقد أنها ستكون تجريبية إلى حد بعيد عند تلك النقطة . كما أشار آرثر كابلان إلى أنه بحلول عام 2035  ستكون الهندسة الجنيني قادرة على توفير  للوقاية من انتقال الأمراض الوراثية،وقال:" عندها لن نقوم بشفاء الأمراض فقط، ولكننا سنتأكد من زواله من الجنس البشري بالكامل.

وفي العام 2040، توقع التقرير أن يتم القضاء على الأمراض القلبية الوعائية، حيث ستظهر خيارات جديدة للعلاج مثل العلاج بالخلايا الجذعية، وتجديد عضلات القلب، ومثبطات ال RNA الميكروبي مما سيقضي على الأمراض القلبية الوعائية. أما في 2042 سيتم توفير أحواض رحمية للولادة، فقد قال آرثر كابلان قائلاً:"ستتحقق الولادة في البيئات الاصطناعية في أوائل أربعينيات هذا القرن، فهي أكثر أماناً؛ حيث يمكننا التحكم بالتغذية وتحسينها، ومنع التعرض للكحول أو الفيروسات."

ومع حلول عام 2045، ستكون هناك فرصة جيدة في نجاح العلاجات المضادة للشيخوخة، حيث أشار أوبري دي جراي إلى أنه على الرغم من أن كثيراً من الأمور ستكون مكلفة جداً، إلا أننا سندخل المرحلة التالية للشيخوخة. وأشارت ليز باريش إلى أنه بحلول 2048 سيتم اعطاء العلاجات الجينية  وسيتم توزيعها بشكل شبه مجاني من الحكومات خلال النصف الثاني من أربعينيات القرن. وقال آرثر كابلان أن العام 2054 سيتم تخصيص الرعاية الصحية عن طريق تجسيد الشخصيات، موضحاً:" بحلول ذلك الوقت، لن نعود بحاجة للذهاب للطبيب إنما سيتطلب منا النظر لشخصيات مجسَّدة. وسيكون لدينا مستشعرات ورقائق يمكن ارتداؤها لتعزيز صحتنا."

وفي العام 2057، أشار أوبري دي جراي إلى أن البشر سيشهدون زيادة كبيرة في العمر ، وقال:"قد نشهد زيادة حقيقية في العمر، حيث سيكون هناك عدد كاف من الأفرد الذين خضعوا للعلاج، وبالتالي سيعيشون لفترة أطول وبحالة صحية أفضل بكثير من أي شخص عاش قبل ذلك. وسنبدأ برؤية واقع كل هذه السيناريوهات التي لا نزال حتى ذلك الوقت نتوقعها ونتنبأ بها ونحاول التحضير لها فقط.

كما أشارت ليز باريش إلى أن العام 2059 سيشهد توفر أول نموذج لصحة الأنسان المثالية، وقالت:"سيكون لدينا النموذج الأول للاستقرار الداخلي في جسم الإنسان وقد لا يكون نموذجاً مثالياً، لكنه سيكون النموذج الأول لما تبدو عليه الصحة المثالية للإنسان مع الحد الأدنى من الإنتروبيا."

للمزيد يمكنكم الاطلاع على موقع تقرير استشراف المستقبل هنا.