أطلقت الإمارات العربية المتحدة السبت الماضي أول قمر اصطناعي إماراتي مصمم لأغراض تعليمية، إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة الشحن الفضائية سيجنيس من منشأة والبس للطيران في ولاية فرجينيا الأميركية.

وطور طلاب جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا القمر الاصطناعي المكعب ماي سات-1 في مختبر الياه سات للاتصالات الفضائية؛ الشركة العالمية المتخصصة في مجال تشغيل الأقمار الاصطناعية المملوكة بالكامل لشركة مبادلة للاستثمار.

وعند وصول القمر الاصطناعي المصغر ماي سات-1 إلى موقعه المداري مطلع عام 2019، سيباشر عمله لأغراض تعليمية، إذ زُوِّد بكاميرا لتصوير دولة الإمارت من الفضاء الخارجي، في تطبيق عملي لمهام أقمار الاستشعار عن بعد، بالإضافة إلى بطارية ليثيوم أيون مبتكرة طورها طلبة الجامعة لاختبار أدائها في بيئة الفضاء.

ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية، عن نائب الرئيس التنفيذي للجامعة، الدكتور عارف سلطان الحمادي، أن «تطوير وبناء طلاب الماجستير ممن يدرسون أنظمة وتقنيات الفضاء في الجامعة، للقمر ماي سات-1، يدل على التميز الأكاديمي والعلمي الذي تحظى به الجامعة وقدرتها على إعداد وتطوير طلبة مواطنين كمهندسين وعلماء فضاء مستقبليين، فمن خلال برنامج القمر الاصطناعي الصغير وبرنامج الماجستير تفخر جامعة خليفة بلعب دور محوري في تحقيق طموحات الدولة في مجال الفضاء بشكل عام، ونحن مستمرون في تطوير الكوادر المواطنة التي ستكون جزءًا من كوكبة المهندسين وعلماء الفضاء الإماراتيين الذين سيساهمون في مهمة مسبار الأمل وقطاع الفضاء في الدولة بشكل عام.»

صحيفة البيان

وجاء إطلاق ماي سات-1 عقب سلسلة اختبارات لقياس مدى ملاءمة نموذجه الهندسي لأجواء الفضاء الخارجي، ومدى توافق نموذجه النهائي المخصص للإطلاق مع جهاز الإطلاق الخارجي نانو راكس الموجود في مركبة سيجنيس.

وأنهت الإمارات، في أغسطس/آب الماضي، مهام بناء وتجميع وفحص النموذج الهندسي لماي سات-1 في إطار مساعي وكالة الإمارات للفضاء للوصول بعدد الأقمار الاصطناعية الإماراتية إلى 12 قمرًا بحلول العام 2020. ونجح فريق العمل في بناء النموذج الهندسي، ليكون نسخة طبق الأصل عن الشكل النهائي للقمر الاصطناعي الجديد، وأجروا اختبارات مكثفة عليه في بيئة تحاكي ظروف الإطلاق والعمل في الفضاء. واعتمدت لجنة المراجعة جاهزية النموذج الهندسي لإنتاج ماي سات-1.

وأسست شركة الياه سات مختبرها الفضائي العام الماضي، في معهد مصدر بالتعاون مع شركة أوربيتال أي تي كي، التي أعيدت تسميتها لشركة نورثورب غرومان للابتكار، بهدف تطوير وتعزيز التقنيات في قطاع الفضاء بما يتواءم وطموحات الإمارات بتحقيق إنجازات متقدمة في مجال الفضاء.

والمختبر هو الأول نوعه لأنظمة الفضاء في الإمارات، وهو مجهز بمرافق لإنشاء وتجميع وفحص الأقمار الاصطناعية الصغيرة كيوب سات، ومحطة أرضية تدعم ترددات متعددة بقدرات عمل تلقائية.

خليفة سات

ولا يعد ماي سات-1 القمر الاصطناعي الأول المُصنَّع محليًا، إذ دخلت الإمارات عصر التصنيع الفضائي بالكامل مطلع العام الحالي، بعد أن أتم مهندسون إماراتيون بناء القمر الاصطناعي خليفة سات؛ أول قمر اصطناعي إماراتي يطوره فريق إماراتي بنسبة 100% دون أي مساعدة أجنبية. ليُطلَق إلى الفضاء الخارجي أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وشمل مشروع خليفة سات تطوير تقنيات؛ تشمل كاميرا تصوير ذات درجة وضوح عالية، وتقنيات لزيادة سرعة تنزيل الصور، وتقنية للتواصل مع القمر من أي مكان في العالم، إلى جانب تطوير تقنيات لتحريك القمر في الفضاء الخارجي للحصول على صور ثلاثية الأبعاد بكميات أكبر، بالإضافة إلى تطوير تقنية للتحكم الآلي بالقمر، وتطوير تقنية تحديد مواقع التصوير لتوفير الصور العالية الجودة، وكذلك إدخال تحسينات على سرعة الاستجابة وتطوير دقة تحديد مكانية عالية.

وخصص خليفة سات ليدور في مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 613 كلم، ليبدأ عمله بالتقاط صور عالية الدقة وإرسال البيانات الفضائية بدقة تبلغ 0.7 متر بانكروماتي ضمن نطاقات متعددة، مقارنة بـ 2.5 متر لدبي سات-1 ومتر واحد لدبي سات-2، ما سيمكن المؤسسات الحكومية الإماراتية من الوصول إلى نتائج أدق في دراساتها.

مزن سات

وكذلك؛ يعكف طلبة من الجامعة الأميركية في رأس الخيمة وجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في أبوظبي على إنجاز مشروع القمر الاصطناعي مزن سات منذ فبراير/شباط الماضي، وراجعت وكالة الإمارات للفضاء منتصف مايو/أيار الماضي التصميم المبدئي للمشروع.

وتعتزم الإمارات إطلاق مزن سات العام المقبل بالتعاون مع وكالة استكشاف الفضاء اليابانية، بهدف دراسة ظاهرة الاحتباس الحراري وقياس وجمع وتحليل البيانات المتعلقة بمستويات ثاني أكسيد الكربون والميثان في شتى أنحاء دولة الإمارات بالتنسيق مع مرافق ومخابر معهد مصدر التابع لجامعة خليفة.

ويقيس مزن سات لدى وصوله إلى مداره كمية غازي الميثان وثاني أكسيد الكربون وتوزعها في الغلاف الجوي باستخدام كاشف بالأشعة تحت الحمراء ذات الموجات القصيرة ليرصد فريق من الطلبة البيانات ويعالجها ويحللها، ويوفر كذلك معلومات عن تركيز المواد المغذية في المياه الساحلية للخليج العربي، وتوقعات حول نمو الطحالب البحرية، للمساعدة في اتخاذ قرارات بيئية مناسبة بتوقيت سليم.

12 قمرًا بحلول العام 2020

وتسعى وكالة الإمارات للفضاء للوصول بعدد الأقمار الصناعية الإماراتية إلى 12 قمرًا بحلول العام 2020.

وسبق أن أكد مدير الوكالة، محمد ناصر الأحبابي، مطلع مايو/أيار الماضي، على أن «دولة الإمارات تدخل مرحلة جديد فيما يتعلق باكتشاف الفضاء، وإن استثمار الإمارات في الأقمار الصناعية تجاوز 20 مليار درهم (حوالي 5.445 مليار دولار).»

بحوث الفضاء الإماراتية

وخلال الأعوام القليلة القادمة تستضيف الإمارات حدثّان عالميان في علوم الفضاء؛ هما مؤتمر عمليات الفضاء الدولي (سبيس أوبس) عام 2022، وفعاليات الدورة  71 للمؤتمر الدولي للملاحة الفضائية عام 2020.

وتتصدر الإمارات الدول العربية في الاهتمام بعلوم الفضاء، ما تجلى في إنشاء الوكالة الإماراتية لعلوم الفضاء. وفي أول مشروع عربي لاستكشاف الكوكب الأحمر، تعتزم الإمارات إطلاق مسبار الأمل من الأرض في يوليو/تموز 2020، ليصل إلى المريخ مطلع العام 2021، تزامنًا مع ذكرى مرور 50 عامًا على تأسيس الدولة.

ويقدم المشروع إضافات جديدة للدراسات العلمية الدولية عن الكوكب الأحمر وتوقعات طموحة لفهم التغيرات المناخية على كوكب الأرض. ويتكون المسبار ​من مركبة مضغوطة سداسية الشكل؛ تصميمها يشبه خلايا النحل مصنوعة من الألمنيوم ذات بنية صلبة ووزن خفيف، محمية بغلاف مقوى من صفائح مركبة، حجمها ووزنها الكلي مماثل لسيارة صغيرة، إذ تزن نحو 1500 كغ تقريبًا متضمنًا وزن الوقود، وبعرض 2.37م وطول 2.90م.

ويطمح المشروع إلى تقديم صورة تفصيلية عن أنظمة المريخ المناخية، تعزز الجهود الدولية السابقة، التي بقيت منحصرة في تحديد نقطتَين على الكوكب الأحمر، وقياس الحرارة فيهما على مدار العام.

ويُجري باحثون حاليًا اختبارات عملية على مسبار الأمل بتعاون وثيق مع جامعات كبرى؛ مثل جامعة كولورادو وجامعة كاليفورنيا وجامعة أريزونا في الولايات المتحدة. ولن يقتصر دوره على التقاط صور للمريخ، ولكنه سيزود العلماء ببيانات مهمة عن الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية، ويزود العالم بمئات البيانات التي ستكون متاحة للعامة.

وللإمارات تجارب سابقة في بحوث الفضاء، إذ أطلقت أواخر سبتمبر/أيلول 2017، مشروعًا لبناء مدينة المريخ العلمية؛ وهي أول مدينة علمية في العالم تحاكي بيئة المريخ وطبيعته المناخية، وأكبر مدينة فضائية تجريبية في العالم، تبلغ كلفة بنائها 137 مليون دولار، ويرغب القائمون عليها أن تكون نموذجًا عمليًا صالحًا للتطبيق على المريخ.

محاكاة بيئات الفضاء

وبين الحين والآخر تبرز تجارب يرعاها القطاع الحكومي أو القطاع الخاص لمحاكاة بيئات الفضاء وانعدام الجاذبية، آخر تلك التجارب أجراها مركز محمد بن راشد للفضاء، الأسبوع الماضي، إذ أطلق مسابقة تتيح للطلاب المقيمين في دولة الإمارات فرصة الفوز برحلة فريدة لاختبار انعدام الجاذبية في الولايات المتحدة، ليتمكن الطلاب من إجراء اختبارات علمية خاصة بهم على غرار رواد الفضاء العاملين في محطة الفضاء الدولية.

وتنظم شركات خاصة في الإمارات حاليًا رحلات افتراضية إلى المريخ؛ مسخرة تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي للوصول إلى رسم تصور مبدئي عنه؛ ويدخل في هذا الإطار رحلات شركة «ألف» الإماراتية للتعليم التكنولوجي الافتراضية (مقرها أبوظبي) الرامية إلى لتحفيز طلبة المدارس والشباب وإثارة اهتمامهم بعلوم الفضاء.

علوم الفضاء في التعليم الجامعي

وأعلنت جامعة الإمارات، منتصف العام الحالي، طرح «مسار علوم الفضاء» لطلبة كلية العلوم، كأحد المسارات التخصصية في قسم الفيزياء، ومن المقرر أن يبدأ الطلبة التسجيل في المسار الجديد اعتبارًا من العام الجامعي المقبل.

ويقدم التخصص الجديد في جامعة الإمارات مواضيع متعلقة بتقنية إطلاق الأقمار الاصطناعية، والكواكب واستكشافها، والغلاف الجوي للأرض والكواكب، واستخدام الاستشعار عن بعد في دراسات علوم الفضاء. كمسار أكاديمي يحاكي البرامج العالمية لبناء جيل من المتخصصين في علوم الفضاء مستقبلًا.