تحدثنا في مقال سابق عن علم الأحياء التخليقيّة ونشأته، وقد يجول بخاطر القارئ أسئلة عن التطبيقات العملية التي يدخل فيها هذا العلم، وعن المجالات المهنيّة التي يتعامل معها. وهذا ما سنتعرّف عليه في هذا المقال من خلال الجزء الثاني من مقابلة مرصد المستقبل مع د.وليد الشارود.

الرحلة من المختبرات إلى المصانع

استطاع العلماء نقل تطبيقات علم الأحياء التخليقية من معامل الأبحاث إلى الأسواق التجارية، إذ يوجد حاليًّا أكثر من 410 شركات تعتمد في صناعة منتجاتها على تقنيات هذا العلم. وتم اختيار بعضها ضمن أفضل 30 شركة ناجحة على مستوى العالم في الابتكار والتأثير الواضح على الحياة والاقتصاد وفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2016. ومن أمثلة هذه المنتجات دواء «إميلاجيك IMLYGIC » الذي يقدم طريقة مبتكرةً لعلاج سرطان الجلد، إذ يحتوي على فيروسات مصمَّمَة بتقنيات الأحياء التخليقية لتهاجم الخلايا السرطانية دون السليمة، وكذلك دواء «أرتيميسينين Artemisinin» المضاد للملاريا والذي يُصنَعُ حاليًّا خلال أسبوع باستخدام خلايا خميرة مصمَّمة أيضًا بتقنيات الأحياء التخليقية بدلاً من الحاجة لانتظار عام كامل تقريبًا للحصول على المادة الفعالة للدواء من النباتات. ويوظّف علم الأحياء التخليقية الميكروباتِ أيضًا في إنتاج البلاستيك القابل للتحلل بعد الاستخدام، والوقود الحيوي بدلًا من الاعتماد على البترول. ويساعد كذلك في إنتاج الحرير، وكذلك أنظمة الكشف عن الملوّثات البيئية والميكروبات الممرضة والمتفجرات وغيرها. ومن المتوقع أن يرتفع حجم التعامل في منتجات الأحياء التخليقية إلى 11.8 مليار دولار في عام 2018.

عقار "إميلاجك" (IMLYGIC) المحتوي علي فيروسات مصممة "بالبيولوجيا التخليقية" لكي تهاجم الخلايا السرطانية. المرصد:multivu
عقار "إميلاجك" (IMLYGIC) المحتوي علي فيروسات مصممة "بالبيولوجيا التخليقية" لكي تهاجم الخلايا السرطانية.
المرصد:multivu

الأحياء التخليقيّة والعالم العربي

يزيد الاهتمام بعلم الأحياء التخليقية يومًا بعد يوم، ومن أهم الدول التي ساهمت في تقدّم هذا العلم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا. وبدأت أغلب دول العالم بالاهتمام بهذا العلم حديثًا، إذ تشير الإحصائيات إلى أنّ أبحاث علم الأحياء التخليقية تُجرى حاليًّا في أكثر من 40 دولة وينفّذها أكثر من 3000 باحث بتمويل من 500 هيئة على مستوى العالم.

وعلى الرغم من توفّر الكفاءات والخبرات اللازمة، يفتقر العالم العربي إلى المراكز المهتمّة بهذا العلم. ولعل ذلك نتج عن الفجوة المعرفية والتقنية بين العالمين الغربي والعربي والتي تحدث بسبب عدم مواكبة المؤسسات العلمية في العالم العربي للاتجاهات البحثية المعاصرة في العالم. إنّ الأحياء التخليقية علمٌ من علوم المستقبل، والعالم العربي يحتاج إلى تطبيقات هذا العلم ومنتجاته، إذ يقدّم فرصةً للتعاون بين المؤسسات الطبية والبيئية والزراعية والغذائية بالإضافة إلى القطاع الصناعي. لذا لابد من إنشاء مراكز متخصصة في الدول العربية تضم بصفة أساسية باحثين متخصصين في الأحياء الجزيئية وعلوم الهندسة والحاسوب. وبالطبع، فإنه لابد من أن يحدث تعاون بين هذه المراكز العربية ومثيلاتها في الدول الغربية المتقدمة في هذا المجال.

الأحياء التخليقيّة، ما هي وما آفاقها المستقبلية – الجزء الثاني
جاكت "مون باركا" (Moon Parka) المصنوع من حرير قامت بإنتاجه بكتريا تم برمجتها باستخدام "الأحياء التخليقية". المصدر:highsnobiety

ولتحقيق ذلك، ينبغي إدراج مقررات دراسية في المرحلة الجامعية الأولى تقدّم أسس الأحياء التخليقيّة للطلاب، وذلك بالإضافة إلى دراستها والبحث في جوانبها المتعددة على مستوى الدراسات العليا فيما بعد من خلال برامج الماجستير أو الدكتوراه. وقد نعجب إذا علمنا أن هناك مسابقة دولية شهيرة تعرف بأولمبياد الأحياء التخليقية «iGEM،» تُعقَد سنوياً ويشارك فيها طلاب المرحلة الثانوية والجامعية من مختلف دول العالم بمشروعات تجريبية يتم فيها تصميم الميكروبات للقيام بتطبيقات رائعة، وهذا يعكس اهتمام الدول بتعريف الطلاب بالأحياء التخليقية وقيمتها منذ المرحلة الثانوية.

تُعَدّ الأحياء التخليقية أحد أهم العلوم ذات التأثير الضخم في الوقت الحاضر مثلها مثل الذكاء الاصطناعي، بل إن البعض يرى أنه إذا كانت آخر صناعة تم فيها استثمار تريليونات الدولارات -وهي صناعة الحاسوب والرقميات- قد اعتمدت على شيفرة الرقمين «واحد وصفر،» فإنّ صناعة التريليونات المقبلة ستعتمد على استخدام الشيفرة الوراثية من خلال الأحياء التخليقية.