يذخر العالمُ اليوم بتقنياتٍ متطوِّرةٍ وأفكارٍ إبداعيَّةٍ. ولأنّ هذا التقدّم العلمي والحضاري يفتح آفاقًا جديدةً لم يكن البشر على معرفةٍ بها، فإنّ الحاجة لعلوم جديدة تصبح ضروريَّةً لاستيعابها. ومن هذه العلوم، علم الأحياء التخليقية Synthetic Biology. وهو عِلمٌ يتعامل مع الخليّة الحيّة كمنصّة عمل لإعادة تصميمها هندسيًّا أو برمجتها حوسبيًّا لتنتج لنا ما نرغبه من مركّبات، وذلك كما يحدثُ عند تصميم وبرمجة الآلات الإلكترونيّة ولكن ولكن مع استبدال الالكترونات والأسلاك في تلك الآلات بالجزيئات والمسارات في الخلايا. ولذلك ليس من المستغرب أنّ مؤسّسي هذا العلم كانوا مهندسين وليسوا علماء أحياء. ولم يحدث هذا المزج بين الهندسة والحاسوب و الأحياء كنوع من الترف أو الرفاهية العلميّة وإنّما للتغلب على محدوديّة علوم التقانة الحيوية التقليدية والتي يرتبط فيها استخدام الخلايا لصناعة المركّبات الحيويّة بالعديد من الظروف التجريبيّة والتي لا تتيح لنا في الكثير من الحالات بأن نحصل على ما نريد.

وفي حوار مع مرصد المستقبل، يحدثنا د.وليد الشارود، البروفسور في جامعة المنصورة،والحاصل علي جائزة أفضل باحث عربي شاب في علوم الأحياء والعلوم الحيوية الجديدة عن عن الجوانب المختلفة في هذا العلم ونشأته وتطوره.

نشأة الأحياء التخليقيّة

الأحياء التخليقية، ما هي وما آفاقها المستقبلية – الجزء الأول
تعمل الأحياء التخليقية علي برمجة الخلايا الحية وتصميم دوائر جينية بها. المصدر:http://greenwatchbd.com

بدأ علم الأحياء التخليقية في الازدهار في العام 2000، وذلك عندما نجح باحث متخصّص في الهندسة وهو «جيمس كولنز» في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع آخرين في تصميم دارة مكوّنة من جينات تعمل داخل الخلية بنفس طريقة عمل الدوائر الإلكترونية، واستطاعوا التنبّؤ بطريقة عمل هذه الدارة الجينية وتعديل أدائها باستخدام معادلات رياضيّة، وقدّمت هذه الدراسة دليلًا قويًّا على إمكانيّة برمجة الخلية. ثمّ توالت الاكتشافات والتطبيقات المفيدة للأحياء التخليقية.

ويستطيع العلماء من خلال هذا العلم تصميم وبرمجة الخلايا لإنتاج أدوية ومركبات غذائيّة وملابس وصبغات وغيرها من المواد التي نحتاج إلى استخدامها في حياتنا اليومية. ولا تتيح الأحياء التخليقية تصميم وبرمجة الخلايا فحسب، بل تساعد أيضًا على بناء أنظمة من الجينات قد تصل إلى مستوى الجينوم الكامل -الذي يحمل كل جينات الخلية الحية- وذلك بهدف التعرف على الطريقة التي تعمل بها الجينات، وهو ما يطلق عليه «البناء من أجل الفهم» والذي يذكرنا بمقولة الفيزيائي الأشهر ريتشارد فينمان «ما لا أستطيع بناؤه لا أستطيع فهمه.» ولعلّ أبرز المحطات التي زادت من الاهتمام بهذا العلم كانت على يد العالم الأمريكي «كريج فنتر» عام 2010 والذي تمكن مع فريقه البحثي من صناعة أوّل خلية جرثوميّة اصطناعية حية تعمل بجينوم تمّ بناؤه داخل المعمل. وامتدّ هذا الأمر إلى الإنسان أيضًا، إذ بدأ تصميم وبناء الجينوم البشري والذي أطلق عليه مشروع كتابة الجينوم في يونيو/حزيران 2016.

بين العلم والأخلاق

الأحياء التخليقية، ما هي وما آفاقها المستقبلية – الجزء الأول
صورة بالمجهر الالكتروني لأحدث "خلية بكتيرية صناعية" حيه تعمل بجينوم تم بناؤه معملياً. المصدر:TOM DEERINCK AND MARK ELLISMAN

كما يحدث عادةً مع العلوم الجديدة، فإنّها تواجَه ببعض التحفّظات الأخلاقيّة في بداياتها. وواجه علم الأحياء التخليقية نفس الانتقادات الأخلاقية الموجّهة للكثير من العلوم الحيوية التي أدّت إلى ازدهار البشرية. وتتركز هذه الانتقادات حول التدخل في الطبيعة والخلية وممارسة أدوار لم يجترئ عليها البشر من قبل. ومن أهمّ الجوانب الأخلاقية التي لا يمكن تجاهلها هي السهولة النسبية التي يمنحها هذا العلم في تصميم وبناء الجينات، إذ وفّرت الأحياء التخليقية مجالًا واسعًا من التطبيقات لجماعات «افعلها بنفسك Do-It-Yourself» والتي تدعو لإجراء تجارب علمية في أماكن خارج الجامعات والمراكز البحثية باستخدام أجهزة وأدوات سهلة الصنع واستطاع الممارسون لهذه التجارب تصميم أنظمة حيويّة خاصة بهم، وإذا لم يتم وضع قواعد وسياسات واضحة لمثل هذه المجموعات فيمكن أن يؤدي ذلك إلى تطبيقات ضارة.